الثلاثاء، 23 ديسمبر 2014

أمزجة ومدن وأصدقاء

لطف الصراري

باقي من أصدقائي ذوي الصنعة الفنية والأدبية، الذين لم يأخذهم مزاج صنعاء، صادق غانم وريان الشيباني.
 أي واحد سيفكر بأننا مازلنا مسكونين بمزاج تعز، فهو مخطئ؛ أعرف ما الذي يعنيه "مزاج تعز" في هذا السياق؛ فنحن كنا هناك صحيح، غير أننا لم نكن بائسين ثقافياً وأدبياً، ولم تصبنا حالة تضخم في الذات وهوس التفوق المعرفي على أساس الجغرافيا والكثافة السكانية. هل أضيف التاريخ النضالي المغدور إلى هذه التركيبة غير السوية؟
لكن هذا ليس ما أنا بصدد الحديث عنه. الأمر ببساطة أننا لا نكترث بأمزجة المدن، حتى إذا وصل بنا الأمر إلى حالة استبعاد. لدينا مزاج آخر لا تنطبق عليه توصيفات من هذا النوع؛ مزاج يمكن اختصار وصفه إلى كونه طريقة حياة، وهذا أبعد ما يكون عن التأثيرات الفادحة للبيئة والجغرافيا على السوية الثقافية. إنها نزعة التفرد التي تصاحب الفنان طيلة عمره، بغض النظر عن مكان المنشأ والإقامة. مزاج هو خليط من الفردانية لدرجة الاقتراب من العزلة، وضبط حركة التدفق الجمعي إلى الداخل الخاص. ربما لا ينطبق هذا على الصحفي الذي يتطلب فنه عادة، الكثير من الانخراط في الشأن العام ومراقبته من داخله وخارجه. لكن عندما ينجح الفنان في التوصل لهذه المعادلة، لا يعود صاحب مزاج بل فناناً لديه طريقة حياة. هذا بالضبط ما يمنحه قدرة هائلة لتخطي أمزجة المدن والعيش في الحدث وزمنه بذات متعافية.

الثلاثاء، 6 مايو 2014

قلب في رفّ زجاجي

 

لطف الصراري


يحدث الحب بدون تدخل الشروط المعلنة والضمنية، وبدون محاكاة السينما وقصص الحب التاريخية. لا أعتقد بأن روميو وجوليت، مثلاً، كانا الوحيدان من أحبا بتلك الطريقة، أو أن قيس وليلي أو جميل وبثينة، كانوا هم العشاق الوحيدون الذين لا مثيل لهم في الزمن الذي عاشوا فيه؟ لا جدال في أن هذه نماذج من حب معذّب، غير أن مفهومي للحب يتمحور حول كونه (حالة متجددة) وليس (نموذج). تلك قصص حب تداولها الحكاؤون بشكل مشوّه وبالغوا في عرضها لكي تحمل العشاق على تصديقها، وما يتكرر من قصص شبيهة، لا تعدو عن كونها محاكاة لتلك القصص؛ نماذج لمأساة متكررة. جميع تلك القصص كتب لها الخلود لأنها لم تكتمل وتحولت إلى مأساة، وبالتالي فقد نالت نصيبها من الخلود، ليس بفضل الحب فقط، بل بفضل الشعور بالتعاطف مع مأساة الفقد.

الأربعاء، 30 يناير 2013

في وداع غرفة دافئة





لطف الصراري
طالما كرهت طقوس الوداع. ليس كرها بالمعنى المتعارف أخلاقيا، ولكنه نفور من شعور بالمغادرة، مع أني لم أسمع قبل الآن عن إمكانية تسمية شعور بـ"المغادرة".
لكني كنت مضطراً للجلوس في وداع غرفة ارتبطت بذاكرة مبهجة ومؤلمة، وكل ما يمكن أن يصاحب حياة شخص متقلب المزاج طوال 7 سنوات. كانت تنتصب أمامي شاشة الكمبيوتر التي صارت قاعدتها مهشمة بأيدي أطفال مفرطي الحركة، ولوحة مفاتيح سوداء ذات مميزات كثيرة للتحكم بالصوت والدخول إلى برامج متعددة بضغطة واحدة بدل النقر المزدوج بالماوس لعدة مرات.
طيلة السنوات السبع تعاقبت أمام هذه الشاشة 4 لوحات مفاتيح، لكن هذه اللوحة ماركة "Delux هي الأفضل، ليس لأنها ماركتها مشهورة، ولكن لأن مرونة المفاتيح وعدم استعصائها على تنفيذ أوامر الأصابع، تمنحها جاذبيية إضافية، ولهذه الميزة تحديداً، لم تلقَ مصير اللوحات التي سبقتها بالتهشيم على طرف الطاولة الخشبية الصغيرة التي تحمل الشاشة.
هناك الكثير من التفاصيل المميزة في هذه الغرفة، وفي لحظة "شعور بالمغادرة"، أقف أمامها جميعاً، ثم أجلس مثقلاً بالتفكير بأن عليّ الترتيب للنقل نهائياً، ليس من هذه الشقة فحسب، ولكن من المدينة كلها؛ عليّ أن أغادر إلى صنعاء، حيث العمل متوفر أكثر، والحظ والموت والحروب متوفرة أيضاً على أكثر من صعيد.
التفكير بالرحيل يأخذ عينيّ إلى الستائر الزرقاء، المساند والتكيات والسجاد ذات اللون نفسه، مع فوارق طفيفة في مستوى التدرج، والخزانة ذات الثلاثة أدراج، التي طالما احتفظت فيها بالكتب وقصاصات ورق مكتظة ببدايات جميلة لنصوص فاشلة. لا أدري لماذا أشعر بإلحاح لوصف هذه الغرفة تحديدا، من بقية غرف الشقة الثلاث، والممر الضيق بينها، الذي نسميه مجازاً: صالة. وفي الحقيقة، ليس ذلك احتياجاً للوصف، لكنه احتياج، كما يبدو، لاختبار القدرة على اتخاذ قرار بالرحيل.
أكتب هذه التفاصيل كما ترد في ذهني، لا تخطيط مسبق ولا تنقيح، عدا ما تقتضيه سلامة اللغة. هناك لوحتان معلقتان في جدارين شبه متقابلين للغرفة، وكلا اللوحتين لصديقي ريان الشيباني؛ ثلاث نساء يصرخن بدهشة واستكانة ولامبالاة، وجميعهن خرجن للتو من مزهرية لم تصنع مثلها أية ماركة عالمية. تبدو المزهرية متناسقة الألوان والخطوط، وبالنسبة لقراءة ضحلة للفن التشكيلي، سيرى مشاهد سيئ الفهم أن الخطوط الكثيرة في المزهرية هي تجسيد للأجزاء السفلية من النساء الثلاث، لكني، غير معني بأين ذهبت هذه الأجزاء، بقدر ما أستمع، كلما نظرت للوحة، لصرخاتهن متفاوتة الدافع، وأستمتع ببراعة توزيع اللون الأصفر المتشرب بالخضرة في أرضية اللوحة، ثم انسياب الأزرق، الأصفر، الأخضر والوردي، بتعرجات لا تتعمد أن تشبه الزخرفة على المزهرية.
المزهرية أيضاً، تحاول ألا تشبه أي تصميم سابق، فقط أخذت شكلها غير مكترثة بالإتقان الهندسي. وفوق رؤوس النساء فتح ريان نافذة خضراء لم تمتص صرخاتهن، ولن يعرف أحد خارج اللوحة ما هي الكارثة التي حلّت بهن، عدا أنهن متشابهات في أجزائهن السفلية، التي هي عبارة عن مزهرية جزؤها العلوي يشبه رسمة القلب في كتاب العلوم للصف السادس عام 1986.
هذه اللوحة أهداني إياها صديقي الفنان لأعلقها في مكتبي بجامعة تعز عندما كنت أشغل منصباً إدارياً يبدو جديراً بالاحترام وبتعليق لوحة، لكني آثرت تعليقها في جدار هذه الغرفة التي هي، بالنسبة لي، أكثر من مكتب وغرفة معيشة.
وعلى الجدار المجاور لجدار لوحة المزهرية، تتشبث أربع حواف خشبية مطرزة بمسامير صغيرة تحافظ على انشداد قماشة بيضاء، لم يتوقع صانعها أن لوحة بديعة سوف يرسمها صديقي الفنان عليها.
ما زالت آثار الملعقة التي أخذها ريان من مطعم عمه لغرض الرسم، ظاهرة في حركة اللون وعلى أصابع العجوز وكأس الشاي الأحمر التي يمسكها بنشوة الغروب. في الحقيقة، ربما كانت آثار الملعقة عالقة في ذاكرتي فقط، منذ رأيت اللوحة في مرسمه المتنقل. الأحمر والأصفر والأخضر في لوحة "العجوز والفنجان"، تتخذ مواضعها بتدرجات متفاوتة التركيز، ووجه طاعن في السن كان بعض الأصدقاء يتوقعون أن يشبه وجهي بعد 30 سنة على الأرجح. ترتعش يد العجوز وهو يمسك كأس الشاي بأربعة أصابع تنقصها السبابة التي رفعها بعيدا عن الكأس، كما لو أن ظفرها المبتور ما زال جريحا. (لاحقاً قال لي ريان إن ظفر السبابة مخفي بتأثير الضوء).
 طوال سنوات من النظر إلى "العجوز والفنجان"، تأكدت من خاصية مثيرة للاهتمام في هذه اللوحة؛ إذ تبدو ملامحها أكثر حدة ووضوحاً في الضوء الخافت الذي يسبق حلول المساء، أو على ضوء شمعة. وعندما سألت ريان ذات مرة عن ذلك، لم يظهر أي ادعاء بمعرفة السبب.
 (مايو 2011)
في الحقيقة، تحتوي الغرفة الجديرة بالوداع الدافئ، على أكثر من هذه التفاصيل. لكن حيزا كهذا في الصفحة الأخيرة لصحيفة سياسية، لا يتسع لها. وفي هذا السياق، سيسأل مدمنو السياسة عن ملاءمة نشر نص أدبي في صفحة غالباً ما احتفت بالسياسة. لكن هذا هو الحال؛ ليس أمامنا سوى إشهار هذه اللغة، ومثل هذه التفاصيل، بين الحين والآخر، في وجه التعسف السياسي لأدمغتنا وقلوبنا. وباختصار، لقد اتفقت مع صديقي الفنان أن نطالب بمساحة كهذه كمحاولة للتعايش مع أزمات السياسة وعنفوان الثورة والحروب.

الأحد، 21 أغسطس 2011

ما تشعر به في نهاية يوم حافل بسنوات متشابهة


لطف الصراري
يبدأ شعور بالتشابه المحبط بعد جلسة قات كانت حافلة بمناقشة العديد من القضايا المتشعبة، تفضي بطبيعة التناول الأكثر تشعبا إلى مناقشة ما يجب أن يكون على مستوى الوطن المتعثر بالفساد.
   بالنسبة لشخص غير موظف في مؤسسة حكومية، سيثرثر بإفراط حول هذا الـ"ما يجب ان يكون" خاصة إذا كان قد خاض تجربة العيش في بلد آخر يعتبره –أو أنه كذلك بالفعل- أفضل حالاً من "هذي البلاد". تثرثر بحماقة تستفز طرف/أطراف الحديث الذين ربما يكون بعضهم قد خاض تجربة الغربة أيضاً لكنه الآن يعمل في مؤسسة حكومية و"مصدوما بالواقع". الذين درسوا في الخارج ويعانون من وهم الاصطدام بالواقع بعد العودة بهدف "بناء الوطن"، هم أكثر الناس ميولا للحديث عن المثاليات وما يجب ان يكون. يأتي بعدهم المتسربين من الدراسة في مرحلة يتحدثون عنها بأنهم كانوا مجبرين على المفاضلة بين الاستمرار في الدراسة أو التضحية بمستقبل تعليمي لتفادي الوقوع تحت طائلة الحاجة للناس. تحضرك نماذج من هؤلاء الأشخاص لا يزال تأثير هاجس التعليم يسبب لهم إرباكا داخليا يظهر غالبا بصورة استعراض لما كان يمكن أن يكونه الشخص الذي يحدثك لو أنه واصل تعليمه إلى مرحلة الجامعة أو الثانوية على الأقل.

الاثنين، 16 مايو 2011

أجازة للعبث والتنبؤات


لطف الصراري

العبث شعور صحي جدا.. ليس فيما يتعلق بالكتابة وحسب، بل أيضاً في السياقات التي تحتمله من الحياة الواقعية، رغم أن الحديث عن العبث لا يحتمل هكذا تجزئة. لماذا نفصل بين حلم معلن وآخر غير معلن، وهل الحديث عن نخبة وعامة سيصنع فارقاً حين يكون الجميع شركاء في الفعل الثوري؟
أشعر بالعبث ولا أزدريه، أتألم لدماء الشباب وأخاف من تسريب تناقضاتي في توقيت ثوري لن يحتمله أصحاب الدم، كما لا أعرف المدى الذي سيبلغه تأثير ردة فعلهم على نفسيتي. هو توقيت حرج للغاية والتناقضات لم تعد لعبة ذهنية أو سلوكية على المستوى الشخصي وحسب. صار الأمر الآن متعلقاً بوطن ودماء تعبث بها بنادق النظام، معطية معنى بالغ الشناعة للعبث. كنت أعتقد أن من يعيشون لحظات تغيير تاريخية محظوظون، لكني الآن أعرف ضريبة ذلك. والممسوسون متواجدون في كل مكان؛ فتاكون ومتحفزون، وقد صارت لدينا الكثير من الثوابت التي يقحمونها كلما نفدت منهم الإساءات والاتهامات أو حتى الانتهاكات التي تحولك إلى ضحية مجانية. أتحدث هنا بلا أمثلة لعلمي أن مثالا واحداً فقط، سيكون بمثابة قطرة حمراء في شاطئ مكتظ بالقروش. لكني سأقرأ أمثلة كثيرة في وقت لاحق بالتأكيد.